دعوى الجاهلية - تعميم وزاري -
26 جمادى الأولى 1448 هـ
🔊 صوت
📖 كتابة
إِنَّ الحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ، ونَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إِليه، مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْد: فأُوصِيكُم ونَفْسِي بتقوى الله؛ فهي ميزانُ التفاضل، ومِعراجُ الفضائل، وبها تَزكو الخَصائل، وتَعلُو المنازل ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. عبادَ الله: إنها خَصْلَةٌ ذميمة، وآفةٌ قديمة، تُفْسِدُ القلوبَ السليمة، وتُحيي النعراتِ الدفينة؛ فكم أَفْسَدَتْ مِنْ مَوَدَّة، وأَشْعَلَتْ مِنْ عداوةٍ وفتنة! إنها العصبيةُ المذمومة، التي حَذَّر منها الإسلام، ونهى عن دعواها سيدُ الأنام. قال ﷺ: (أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الفَخْرُ في الأَحسَابِ، والطَّعْنُ في الأَنْسَابِ، والاستسقاءُ بالنُّجُومِ، والنِّيَاحَةُ) . والتعصُّبُ المذموم: هو أَنْ يَعْتَقِدَ الإِنسانُ أَنَّهُ أفْضَل مِنْ غَيْرِهِ؛ بِسَبَبِ لَوْنِهِ أو جِنْسِهِ أو نَسَبِه، أو بسببِ مالِه أو جاهِه؛ يقول : ﴿فَلَا تُزَكُّوا أنفسَكُم هو أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. ومعيارُ التَّفَاضُل عِنْدَ اللهِ لا يَكُونُ إِلَّا بميزانِ التَّقوَى! قال ابنُ تَيْمِيَّة: (لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ يَمْدَحُ فِيهَا أَحَدًا بِنَسَبِهِ، ولا يَذُمُّ أَحَدًا بِنَسَبِهِ، وإِنَّمَا يَمْدَحُ بالْإِيمَانِ والتَّقْوَى، ويَذُمُّ بالكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيَانِ) . واللهُ خَلَقَ الجَنَّةَ لِمَنْ أَطَاعَهُ ولَوْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، وخَلَقَ النَّارَ لِمَنْ عَصَاهُ، ولَوْ كانَ حُرًّا قُرَشِيًّا؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ في الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. والافتخارُ بالنَّسَبِ، دليلٌ على قِلَّةِ العقلِ والأدب! قال ابنُ حزم: (إِنْ أُعْجِبْتَ بِنَسَبِكَ، فهذا أَسْوَأُ مراتبِ العُجْب؛ لأَنَّ هذا الَّذِي أُعْجِبْتَ بِه؛ لا فائدةَ لَهُ أصلًا! وانْظُرْ هَلْ يَدْفَعُ عَنْكَ جَوْعَةً؟ أو يَسْتُرُ لَكَ عَورَةً؟ أو يَنْفَعُكَ في آخِرَتِكَ؟! فإذا فَكَّرَ العاقلُ في أَنَّ فَضْلَ آبائِهِ لا يُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ، ولا يُكْسِبُهُ مَالًا؛ فأيُّ معنىً لِلإِعْجَابِ بما لا مَنْفَعَةَ فِيهِ؟! والمُعْجَبُ بذلكَ: كالمُعْجَبِ بمالِ جارِهِ، أو كالغَِبيِّ يَفْخَرُ بِذَكَاءِ أَبِيْهِ!) .
لَعَمْرُكَ ما الإنسانُ إلاَّ بِدينِهِ فَلا تَتْرُكِ التَّقوى اتَّكالًا على النَّسَب لَقَدْ رَفَعَ الإسلامُ سَلمَانَ فَارِسٍ وقَدْ وَضَعَ الشِّركُ الشقيَّ أبَا لَهب وأصحابُ الهِمَمِ العالية: يُسَارِعُونَ بالأعمالِ الصالحة، ولا يُفَاخِرُونَ بالدعاوى الفارغة! فإنَّ اللهَ رتَّبَ الجزاءَ على الأعمال، لا على الأنساب . ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾. قال ﷺ: (ومَنْ بَطَّأ بِهِ عَمَلُه، لم يُسرِعْ بِهِ نَسَبُه). قال النووي: (معناه: مَنْ كانَ عَمَلُهُ ناقِصًا، لم يُلْحِقْهُ نَسَبُه بمرتبةِ أصحابِ الأعمال، فينبغي ألَّا يَتَّكِلَ على شَرَفِ النَّسَب، ويُقَصِّرَ في العمل) .
وما الَّذِي جَعَلَ إِبْلِيسَ يَهْبِطُ مِنْ أَعْلَى درجاتِ العُبُودِيةِ للهِ إلى أَسْفَلِ دَرَكَاتِ العِنَادِ، إِلَّا اغْتِرَارُهُ بِنَفْسِهِ، وعَصَبِيَّتُهُ لِأَصْلِهِ! ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾.
والفَخْرُ بالبلادِ والأنساب، والتنابزُ بالألقابِ: عصبيةٌ مُنْتِنَة، وجاهليةٌ مُتَعَفِّنَة! فَعَنْ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ : أنَّ رَجُلًا مِنْ المُهَاجِرِينَ ضَرَبَ رَجُلًا مِنْ الأنصارِ، فقال الأنصارِيُّ: (يا لَلْأَنْصَارِ) وقال المُهَاجِرِيُّ: (يا لَلْمُهَاجِرِينَ) فَسَمِعَ ذلكَ رَسُولُ الله ﷺ فقال: (ما بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ؟! دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) . وجاءَ في الحديثِ الآخر: (أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ...أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ على اللهِ مِنَ الجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتَنُ) . والجُعلان: جَمْعُ جُعْل، وهي حشرةٌ تَعْشَقُ الفضلات، وتَجْمَعُ القاذورات؛ فَمَنْ يَفْخَرُ بِحَسَبِه يكونُ أَهْونَ على اللهِ مِن هذهِ الحَشَرة! يقول القاري: (شَبَّهَ المُفْتَخِرِينَ بآبائِهمُ بالجُعل، وشَبَّهَ آبَاءَهُمُ الُمفْتَخَرَ بهم بالعَذِرَةِ، وشَبَّهَ افتخارَهُم بهم بالدَّفْعِ بالأَنْفِ، والمعنى: إِمَّا أن يَنْتَهُوا عن الافتخارِ، أو يكونُوا أَذَلَّ عندَ اللهِ مِنَ الجُعل) .
والافتخارُ والاحتقارُ، مِن أعظمِ الشرورِ والأخطار؛ قال ﷺ: (بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسلِمَ) : أي لو لم يكن عندَهُ من الشرِّ إلَّا هذا لكان كافيًا.
وكُلُّ حَمِيَّةٍ لِغَيرِ الإِسلامِ؛ فَهي مَرْفُوضة، وكُلَّ عَصَبِيَّةٍ لَيْسَتْ على دِينِ اللهِ؛ فَهِيَ مَذْمُومَةٌ: فالولاءُ والبَرَاءُ، والْحُبُّ والبُغْضُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ للهِ وفي اللهِ، وذلكَ أَوْثَقُ عُرَى الإيمانِ، ولا فَخْرَ إِلَّا بِالإسلامِ، وهُو أَحْسَنُ ما يَفْتَخِرُ بهِ الأنام! ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾.
أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا، وأسْتَغْفِرُ اللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوْهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم * * * *
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمْدُ للهِ على إِحْسَانِه، والشُّكْرُ لَهُ على تَوْفِيْقِهِ وامْتِنَانِه، وأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا الله، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُوْلُه. عِبَادَ الله: من ابتغى الفَخْرَ بغيرِ الإسلامِ أَذَلَّةُ الله؛ فَفَخْرُنَا بالإسلام، وطاعةِ الرَّحمن، واتِّبَاعِ رسوله ﷺ؛ فهذا هو الفَخْرُ الذي يَبْقَى ولا يَفْنَى، ويَرْفَعُ صاحبَه في الدنيا والأخرى ﴿وللهِ العِزَّةُ ولرسولِه وللمؤمنين﴾. أَبِي الإسلامُ لا أبَ لي سِوَاهُ إذا افْتَخَرُوا بِقَيْسٍ أو تَميمِ قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيْمِيَّة: (فَمَنْ تَعَصَّبَ لِأَهْلِ بَلْدَتِهِ أو مَذْهَبِهِ أو طَرِيقَتِهِ أو قَرَابَتِهِ أو لِأَصْدِقَائِهِ دُونَ غَيْرِهِم؛ كَانَتْ فِيهِ شُعْبَةٌ مِنَ الجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى يَكُونَ المُؤْمِنُونَ -كما أَمَرَهُمُ اللهُ- مُعْتَصِمِينَ بِحَبْلِهِ وكِتَابِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ؛ فَإِنَّ كِتَابَهُم واحِدٌ، ودِينَهُم واحِدٌ، ونَبِيَّهُم وَاحِدٌ، ورَبَّهُم إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾) . * * * * * ثم اعْلَمُوا أنَّ اللهَ أَمَرَكُم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّه، فقال في مُحْكَمِ التنزيل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا﴾. * اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وزِدْ وبارِكْ على نبيِّنا محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خلفائِه الراشدين، الذين قَضَوْا بالحقِّ، وبهِ كانوا يَعْدِلُون: أبي بكرٍ، وعُمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعن سائرِ الصحابةِ أجمعين، وعَنَّا معهم بِجُودِكَ وكَرَمِكَ يا أكرمَ الأكرمين.