منبر الخطيب | جامع الشيخ ناحي السعيدي

الشيخ سلطان مساعد السويهري الهذلي

منبر الخطيب

جامع الشيخ ناحي السعيدي

خطيب الجامع: سلطان مساعد السويهري

خطب الجمعة

اختر الخطبة، ثم اضغط «صوت» للاستماع أو «كتابة» لقراءة نصها.

دعوى الجاهلية - تعميم وزاري -

26 جمادى الأولى 1448 هـ

🔊 صوت
📖 كتابة

إِنَّ الحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ، ونَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إِليه، مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْد: فأُوصِيكُم ونَفْسِي بتقوى الله؛ فهي ميزانُ التفاضل، ومِعراجُ الفضائل، وبها تَزكو الخَصائل، وتَعلُو المنازل ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. عبادَ الله: إنها خَصْلَةٌ ذميمة، وآفةٌ قديمة، تُفْسِدُ القلوبَ السليمة، وتُحيي النعراتِ الدفينة؛ فكم أَفْسَدَتْ مِنْ مَوَدَّة، وأَشْعَلَتْ مِنْ عداوةٍ وفتنة! إنها العصبيةُ المذمومة، التي حَذَّر منها الإسلام، ونهى عن دعواها سيدُ الأنام. قال ﷺ: (أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الفَخْرُ في الأَحسَابِ، والطَّعْنُ في الأَنْسَابِ، والاستسقاءُ بالنُّجُومِ، والنِّيَاحَةُ) . والتعصُّبُ المذموم: هو أَنْ يَعْتَقِدَ الإِنسانُ أَنَّهُ أفْضَل مِنْ غَيْرِهِ؛ بِسَبَبِ لَوْنِهِ أو جِنْسِهِ أو نَسَبِه، أو بسببِ مالِه أو جاهِه؛ يقول : ﴿فَلَا تُزَكُّوا أنفسَكُم هو أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. ومعيارُ التَّفَاضُل عِنْدَ اللهِ لا يَكُونُ إِلَّا بميزانِ التَّقوَى! قال ابنُ تَيْمِيَّة: (لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ يَمْدَحُ فِيهَا أَحَدًا بِنَسَبِهِ، ولا يَذُمُّ أَحَدًا بِنَسَبِهِ، وإِنَّمَا يَمْدَحُ بالْإِيمَانِ والتَّقْوَى، ويَذُمُّ بالكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيَانِ) . واللهُ خَلَقَ الجَنَّةَ لِمَنْ أَطَاعَهُ ولَوْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، وخَلَقَ النَّارَ لِمَنْ عَصَاهُ، ولَوْ كانَ حُرًّا قُرَشِيًّا؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ في الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. والافتخارُ بالنَّسَبِ، دليلٌ على قِلَّةِ العقلِ والأدب! قال ابنُ حزم: (إِنْ أُعْجِبْتَ بِنَسَبِكَ، فهذا أَسْوَأُ مراتبِ العُجْب؛ لأَنَّ هذا الَّذِي أُعْجِبْتَ بِه؛ لا فائدةَ لَهُ أصلًا! وانْظُرْ هَلْ يَدْفَعُ عَنْكَ جَوْعَةً؟ أو يَسْتُرُ لَكَ عَورَةً؟ أو يَنْفَعُكَ في آخِرَتِكَ؟! فإذا فَكَّرَ العاقلُ في أَنَّ فَضْلَ آبائِهِ لا يُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ، ولا يُكْسِبُهُ مَالًا؛ فأيُّ معنىً لِلإِعْجَابِ بما لا مَنْفَعَةَ فِيهِ؟! والمُعْجَبُ بذلكَ: كالمُعْجَبِ بمالِ جارِهِ، أو كالغَِبيِّ يَفْخَرُ بِذَكَاءِ أَبِيْهِ!) .

لَعَمْرُكَ ما الإنسانُ إلاَّ بِدينِهِ فَلا تَتْرُكِ التَّقوى اتَّكالًا على النَّسَب لَقَدْ رَفَعَ الإسلامُ سَلمَانَ فَارِسٍ وقَدْ وَضَعَ الشِّركُ الشقيَّ أبَا لَهب وأصحابُ الهِمَمِ العالية: يُسَارِعُونَ بالأعمالِ الصالحة، ولا يُفَاخِرُونَ بالدعاوى الفارغة! فإنَّ اللهَ رتَّبَ الجزاءَ على الأعمال، لا على الأنساب . ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾. قال ﷺ: (ومَنْ بَطَّأ بِهِ عَمَلُه، لم يُسرِعْ بِهِ نَسَبُه). قال النووي: (معناه: مَنْ كانَ عَمَلُهُ ناقِصًا، لم يُلْحِقْهُ نَسَبُه بمرتبةِ أصحابِ الأعمال، فينبغي ألَّا يَتَّكِلَ على شَرَفِ النَّسَب، ويُقَصِّرَ في العمل) .

وما الَّذِي جَعَلَ إِبْلِيسَ يَهْبِطُ مِنْ أَعْلَى درجاتِ العُبُودِيةِ للهِ إلى أَسْفَلِ دَرَكَاتِ العِنَادِ، إِلَّا اغْتِرَارُهُ بِنَفْسِهِ، وعَصَبِيَّتُهُ لِأَصْلِهِ! ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾.

والفَخْرُ بالبلادِ والأنساب، والتنابزُ بالألقابِ: عصبيةٌ مُنْتِنَة، وجاهليةٌ مُتَعَفِّنَة! فَعَنْ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ : أنَّ رَجُلًا مِنْ المُهَاجِرِينَ ضَرَبَ رَجُلًا مِنْ الأنصارِ، فقال الأنصارِيُّ: (يا لَلْأَنْصَارِ) وقال المُهَاجِرِيُّ: (يا لَلْمُهَاجِرِينَ) فَسَمِعَ ذلكَ رَسُولُ الله ﷺ فقال: (ما بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ؟! دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) . وجاءَ في الحديثِ الآخر: (أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ...أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ على اللهِ مِنَ الجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتَنُ) . والجُعلان: جَمْعُ جُعْل، وهي حشرةٌ تَعْشَقُ الفضلات، وتَجْمَعُ القاذورات؛ فَمَنْ يَفْخَرُ بِحَسَبِه يكونُ أَهْونَ على اللهِ مِن هذهِ الحَشَرة! يقول القاري: (شَبَّهَ المُفْتَخِرِينَ بآبائِهمُ بالجُعل، وشَبَّهَ آبَاءَهُمُ الُمفْتَخَرَ بهم بالعَذِرَةِ، وشَبَّهَ افتخارَهُم بهم بالدَّفْعِ بالأَنْفِ، والمعنى: إِمَّا أن يَنْتَهُوا عن الافتخارِ، أو يكونُوا أَذَلَّ عندَ اللهِ مِنَ الجُعل) .

والافتخارُ والاحتقارُ، مِن أعظمِ الشرورِ والأخطار؛ قال ﷺ: (بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسلِمَ) : أي لو لم يكن عندَهُ من الشرِّ إلَّا هذا لكان كافيًا.

وكُلُّ حَمِيَّةٍ لِغَيرِ الإِسلامِ؛ فَهي مَرْفُوضة، وكُلَّ عَصَبِيَّةٍ لَيْسَتْ على دِينِ اللهِ؛ فَهِيَ مَذْمُومَةٌ: فالولاءُ والبَرَاءُ، والْحُبُّ والبُغْضُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ للهِ وفي اللهِ، وذلكَ أَوْثَقُ عُرَى الإيمانِ، ولا فَخْرَ إِلَّا بِالإسلامِ، وهُو أَحْسَنُ ما يَفْتَخِرُ بهِ الأنام! ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾.

أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا، وأسْتَغْفِرُ اللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوْهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم * * * *

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمْدُ للهِ على إِحْسَانِه، والشُّكْرُ لَهُ على تَوْفِيْقِهِ وامْتِنَانِه، وأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا الله، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُوْلُه. عِبَادَ الله: من ابتغى الفَخْرَ بغيرِ الإسلامِ أَذَلَّةُ الله؛ فَفَخْرُنَا بالإسلام، وطاعةِ الرَّحمن، واتِّبَاعِ رسوله ﷺ؛ فهذا هو الفَخْرُ الذي يَبْقَى ولا يَفْنَى، ويَرْفَعُ صاحبَه في الدنيا والأخرى ﴿وللهِ العِزَّةُ ولرسولِه وللمؤمنين﴾. أَبِي الإسلامُ لا أبَ لي سِوَاهُ إذا افْتَخَرُوا بِقَيْسٍ أو تَميمِ قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيْمِيَّة: (فَمَنْ تَعَصَّبَ لِأَهْلِ بَلْدَتِهِ أو مَذْهَبِهِ أو طَرِيقَتِهِ أو قَرَابَتِهِ أو لِأَصْدِقَائِهِ دُونَ غَيْرِهِم؛ كَانَتْ فِيهِ شُعْبَةٌ مِنَ الجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى يَكُونَ المُؤْمِنُونَ -كما أَمَرَهُمُ اللهُ- مُعْتَصِمِينَ بِحَبْلِهِ وكِتَابِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ؛ فَإِنَّ كِتَابَهُم واحِدٌ، ودِينَهُم واحِدٌ، ونَبِيَّهُم وَاحِدٌ، ورَبَّهُم إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾) . * * * * * ثم اعْلَمُوا أنَّ اللهَ أَمَرَكُم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّه، فقال في مُحْكَمِ التنزيل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا﴾. * اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وزِدْ وبارِكْ على نبيِّنا محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خلفائِه الراشدين، الذين قَضَوْا بالحقِّ، وبهِ كانوا يَعْدِلُون: أبي بكرٍ، وعُمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعن سائرِ الصحابةِ أجمعين، وعَنَّا معهم بِجُودِكَ وكَرَمِكَ يا أكرمَ الأكرمين.

حسبنا الله ونعم الوكيل

19 جمادى الأولى 1448 هـ

🔊 صوت
📖 كتابة

إِنَّ الحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ ونَتُوبُ إِلَيه، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِـــلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوْصِيْـــكُمْ وَنَفْســـِي بِتَقْــوَى اللهِ ﷻ؛ فَهِيَ سَـــــبَبٌ لِزِيَادَةِ الإِيمانِ، وَطَـــرِيْقٌ لِمَحَبَّةِ الرَّحْمَــــنِ! ﴿بَلَى مَـــنْ أَوْفَى بِعَهْـــدِهِ وَاتَّقَى فَـــــــإِنَّ اللهَ يُحِـــبُّ المُتَّقِينَ﴾. عِبَادَ اللهِ: إِنَّهَا أَمَانُ الخَائِفِيْن، وَشِعَارُ الوَاثِقِيْنَ بِرَبِّ العَالَمِين؛ إِنَّهَا: (حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيْل). وحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيْل: مِنْ أَعْظَمِ الأَسْبَابِ في حُصُولِ الخَيْرِ، وَدَفْعِ الشَّرِّ، لِمَنْ قَالَهَا بِحَقِّهَا( )، وَلِهَذَا نَطَقَ بِهَا أَعْظَمُ الأَنْبِيَاءِ شَرَفًا، في أَعْظَمِ المَوَاقِفِ خَطَرًا؛ فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ  قالَ: (حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ  حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ! وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾). وَهَذِهِ الكلمة: تَقْطَعُ الخَوْفَ مِنْ جُذُوْرِهِ! قالَ ابْنُ القَيِّم: (وَهُوَ حَسْبُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وَكَافِي مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي يُؤَمِّنُ خَوْفَ الخَائِفِ، وَهُوَ ﴿نِعْمَ المُوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيْر﴾، فَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وَانْقَطَعَ بِكُلّيَّتِهِ إِلَيهِ: تَوَلَّاهُ وَحَفِظَهُ، وَمَنْ خَافَهُ وَاتَّقَاهُ: آمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ وَيَحْذَرُ، وَجَلَبَ إِلَيْهِ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ! ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾)( ). قالَ بَعضُ السَّلَف: (عَجِبْتُ لِمَنْ ابْتُلِيَ بِالخَوْفِ، كَيْفَ لا يَقُولُ: «حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيل»، واللهُ  يَقُولُ: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾، وَعَجِبْتُ لِمَنْ مُكِرَ بِهِ، كَيْفَ لا يَقولُ: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ﴾، واللهُ  يقولُ: ﴿فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾)( ). وحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيل: هِيَ النَّجَاةُ مِنَ المِحَنِ، وَالمَخْرَجُ مِنَ الفِتَنِ! قالَ بَعضُ العُلَماء:(مَهْمَا ظَهَرَتِ الْفِتَن، وانْضَرَبَتْ فِيهَا الْأَقَاوِيل، وخِيْفَ مِنْ شَرِّهَا التَّهْوِيلِ، فَافْزَعْ إِلَى التَّوَقِّي مِنْ أَمْرِهَا الوَبِيلِ، بِقَوْلِ: "حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل")( ). وهَذِهِ الكَلِمَةُ العَظِيْمَةُ: غَيَّرَتْ مَوَازِيْنَ القُوَى، وَقَوَانِينَ الأَرْضِ؛ فَإِنَّ آخِرَ كَلِمَةٍ قَالَها إِبرَاهِيمُ  -حِيْنَ أَلْقَوهُ فِي الجَحِيمِ-: (حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)؛ فقال ﷻ: ﴿يَا نَارُ كُوْنِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِيْنَ﴾. وحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيل: أَمَانٌ دَائِمٌ، وَقُوَّةٌ لا تَنْقَطِع؛ لِأَنَّ اللهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وما سِوَاهُ فَمَيِّتٌ غَيْرُ حيٍّ، وزَائِلٌ غَيْرُ باقٍ! ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾( ). قال شَيخُ الإِسْلَامِ: (﴿حَسْبُنَا اللهُ﴾: أَيْ كَافِينَا اللهُ فِي دَفْعِ الْبَلَاءِ، فَهُوَ -سُبْحَانَهُ- كَافٍ عَبْدَهُ فِي إزَالَةِ الشَّرِّ، وفي إنَالَةِ الخَيْرِ ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى غَيْرِ اللهِ وَرَجَاهُ؛ خُذِلَ مِنْ جِهَتِهِ وَحُرِمَ( )، وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ: فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ!)( ). وحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيل: هِيَ المَفْزَعُ مِنْ أَهْوَالِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ! قَالَ ﷺ: (كَيْفَ أَنْعَمُ، وَقَدِ التَقَمَ صَاحِبُ القَرْنِ القَرْنَ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ، وَأَصْغَى سَمْعَهُ، يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْمَرَ أَنْ يَنْفُخَ)، فقَالَ المُسْلِمُونَ: (فَكَيْفَ نَقُولُ يَا رَسُولَ اللهِ؟)، فقال: (قُولُوا: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، تَوَكَّلْنَا عَلَى اللهِ رَبِّنَا)( ). ومفعول هذه الكلمة: لا يتحقق أثرها إلا بعد التقوى؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. قال ابنُ القيم: (فَإِنَّ اللهَ إِنَّمَا يَكُونُ حَسْبَ الْمُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ إِذَا اتَّقَاهُ، وَتَقْوَاهُ فِعْلُ الْأَسْبَابِ الْمَأْمُورِ بِهَا، لَا إِضَاعَتُهَا، فَالْقُوَّةُ مَضْمُونَةٌ لِلْمُتَوَكِّلِ، وَالْكِفَايَةُ وَالْحَسْبُ وَالدَّفْعُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَنْقُصُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَنْقُصُ مِنَ التَّقْوَى وَالتَّوَكُّلِ، وَإِلَّا فَمَعَ تَحَقُّقِهِ بِهِمَا، لَا بُدَّ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا مِنْ كُلِّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكُونُ اللَّهُ حَسْبَهُ وَكَافِيَهُ) . أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا، وأسْتَغْفِرُ اللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوْهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمْـدُ للهِ عَلَى إِحْسَــانِه، والشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيْقِهِ وَامْتِنَانِه، وَأَشْـهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُه. عِبادَ اللهِ: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيل: هِيَ السِّلَاحُ في مُوَاجَهَةِ المُرْجِفِيْنَ، والدِّرْعُ الوَاقِي مِنَ المُخَذِّلِيْنَ، فَإِنَّ المُتَوَكِّلِينَ على اللهِ، يَفْعَلُونَ الأَسْبَابَ، وَيَتَعَلَّقُونَ بِرَبِّ الأَرْبَابِ، وَلا يُبَالُوْنَ بِالحَرْبِ النَّفْسِيَّةِ، والهَجْمَةِ الإِعْلَامِيَّةِ، بَلْ تَزِيْدُهُمْ ثَبَاتًا وَيَقِيْنًا؛ لِأَنَّهُمْ بِذِكْرِ اللهِ مُطْمَئِنُّونَ، وَبِوَعْدِهِ وَاثِقُوْنَ، وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون! ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ* فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾. قال ابنُ كَثِير: (تَوَعَّدَهُمُ النَّاسُ بِالجُمُوعِ، وَخَوَّفُوْهُمْ بِكَثْرَةِ الْأَعْدَاءِ، فَمَا اكْتَرَثُوا لِذَلِكَ! بَلْ تَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ، وَاسْتَعَانُوا بِهِ؛ فكَفَاهُمْ اللهُ مَا أَهَمَّهُمْ، وَرَدَّ عَنْهُمْ بَأْسَ مَنْ أَرَادَ كَيْدَهُمْ)( ). * * * *

إن تنصروا الله ينصركم

13 جمادى الأولى 1448 هـ

🔊 صوت
📖 كتابة

إِنَّ الحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إِلَيه، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ، وَتَمَسَّكُوا بِهُدَاه؛ فَالتَّقْوَى تَدْفَعُ السُّوْءَ والبَلْوَى! ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. عِبَادَ الله: إِنَّها آيَةُ النَّصْرِ وَالنَّجَاحِ، وَشَرْطُ الثَّبَاتِ والفَلَاح! وَهِيَ في قَوْلِهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. قال المُفَسِّرُونَ: (أَيْ ﴿إِنْ تَنْصُرُوا﴾ دِينَ اللهِ: يَنْصُرْكُمْ عَلَى الْكُفَّارِ. ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾: أَيْ عِنْدَ الْقِتَالِ، وَقِيلَ: على الإِسلامِ، وقِيلَ: على الصِّرَاطِ، وقِيلَ: المُرَادُ تَثْبِيتُ القُلُوبِ بالأَمْنِ؛ فَإِنَّ الجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ، ولِهَذَا قَالَ تعالى: ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾: بِأَنْ يَمْلأَ قُلُوْبَكُمْ: سَكِيْنَةً وَاطْمِئْنَانًا، وَأَبْدَانَكُمْ: قُوَّةً وَشَجَاعَةً: في حَالِ القِتَالِ، وفي وَقْتِ البَحْثِ وَالجِدَالِ، وفي جَمِيعِ الأَعْمَالِ). ومِنْ فَوَائِدِ الآيَةِ: أَنَّ المُؤْمِنِينَ إذا امْتَثَلُوا أَمْرَ اللهِ بِقَدْرِ طَاقَتِهِمْ، واجْتَمَعَ لَهُمْ: حُسْنُ الاعدَادُ، وصِحَّةُ الِاعْتِقَادُ، والاِفْتِقَارُ إلى الواحِدِ القَهَّارِ؛ كَانُوا أَهْلاً لِلْنَّصْرِ المُبِيْنِ؛ لِأَنَّهُم اتَّصَلُوا بِالقَوِيِّ المَتِيْنِ! ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. قال قَتَادَة: (حَقٌّ عَلَى اللهِ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ سَأَلَهُ، وَيَنْصُرَ مَنْ نَصَرَهُ). ومِنْ أَسْبَابِ الاِنْتِصَارِ: تَجْدِيْدُ الإيمانِ، وطَاعَةُ الرَّحْمَنِ، وتَرْكُ العِصْيَان، وحِيْنَئِذٍ يَتَحَقَّقُ النَّصْرُ والأَمَانُ! قال : ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾. ومِنْ فَوَائِدِ الآيَةِ: أَنَّ المُتَفَرِّدَ بِالنَّصْرِ: هُوَ اللهُ وَحْدَهُ، وَأَنَّ غَيْرَهُ لا يَمْلِكُ مِنَ النَّصْرِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا في الكَونِ بِتَدْبِيرِهِ ومَشِيْئَتِهِ! ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. والنِيَّةُ الصَّادِقَةُ، والعَقِيْدَةُ الرَّاسِخَةُ؛ سَبَبٌ لِلْنَّصْرِ والسَّكِيْنَةِ، والفَتْحِ والطُّمَأْنِيْنَةِ! قال تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. يقول ﷺ: (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا؛ فَهُوَ فِي سَبِيلِ الله). ومِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ: الاِتْفِاقُ والاِجْتِمَاعُ، وتَرْكُ التَّفَرُّقِ والنِّزَاعِ! ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. والقُوَّةَ الرُّوْحِيَّةُ هِيَ أَصْلُ النصر، والقُوَّةُ الجَسَدِيَّةُ تَبَعٌ لِهَا؛ والمَطْلُوبُ: هُوَ الجَمْعُ بين القُوَّتَيْنِ: فَإِنَّ نَصْرَ اللهِ مَرْهُوْنٌ بِأَمْرَيْنِ: الأَوَّل: الإعدادُ المَعْنَوِيُّ: بِالتَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، وَنُصْرَةِ دِيْنِ الله: اعْتِقَادًا، وَقَوْلًا، وعَمَلًا. الأَمْر الثاني: الإِعْدَادُ المَادِي: كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. ومِنْ أَسْبَابِ الاِنْتِصَارِ: الحَذَرُ مِنَ الاِفْتِخَارِ! قال : ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾؛ فَلَمَّا تَوَاضَعُوا لِرَبِّهِمْ، وَعَرَفُوْا ضَعْفَهُمْ؛ وعَاقِبَةَ إِعْجَابِهِمْ: ﴿أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾. وحلاوَةُ النَّصْرِ، لا تَأْتِي إِلَّا بَعْدَ مَرَارَةِ الصَّبْرِ! قال ﷺ: (وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا). ومِنْ شُؤْمِ العِصْيَانِ: أَنَّهُ سَبَبٌ لِلْهَزِيْمَةِ وَالخِذْلَانِ! قال : ﴿أَوَلمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. يقول الشيخُ ابنُ عثيمين: (فإذا كانت معصيةٌ واحدةٌ -من بعضِ المجاهدين في غزوةِ أحد- مِنْ أسبابِ الهزيمة؛ فما بالُكُم بهذه الفظائعِ التي تُوجَدُ في بعضِ البلادِ العربيةِ اليوم! إنَّ الطمعَ في النصرِ بدونِ أسبابِه؛ طَمَعٌ في غيرِ مَحَلِّه: إنه كالطَّمَعِ في الأولادِ بدونِ نكاح، وكالطمعِ في الأشجارِ بدونِ غرس!). ولا يَتِمُّ النَّصْرُ الإِلَهِي، إِلَّا بِالتَّعَافِي مِنْ جِرَاحَاتِ المَعَاصِي! وإذا عَادَ الناسُ إِلى رَبِّهِم بالتوبةِ والاستغفارِ: عادَ إليهم الفَتْحُ وَالاِنْتِصَارِ! ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا في أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِيْنَ فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾. وقليلُ التقوى، يَغْلِبُ كثيرَ الجيوشِ! والقُوَّةُ القَلْبِيَّةُ الإيمانية، أَجْدَرُ بِالنَّصْرِ مِنَ القُوَّةِ المَادِّيَّةِ الحسية؛ ولِذَا كان النبيُّ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ: أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللهِ. قال ﷻ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ومِنْ وصايا عمرُ بن الخطاب : (أما بعد؛ فإني آمُرَكَ ومَنْ معكَ من الأجنادِ بتقوى الله؛ فإنها أفضلُ العُدَّة على العدو، وآمُرَكَ ومَنْ مَعَكَ أن تكونوا أشدَّ احتراسًا من المعاصي منكم من عدوِّكم، فإنَّ ذنوبَ الجيشِ أخوفُ عليهم من عدوِّهم، وإنما يُنْصَرُ المسلمون بمعصيةِ عدوِّهم، ولولا ذلك لم تَكُنْ لنا بهم قوة؛ فإذا استوينا في المعصيةِ كان لهم الفضلُ علينا في القوة). وإذا رَجَعَ الناسُ إِلَى الدِّينِ، وَتَسَلَّحُوا بِالصَّبْرِ وَاليَقِينِ؛ عَادَ إِلَيْهِمُ العِزُّ وَالتَّمْكِينُ! وَإِذَا تَخَلَّى المسلمونَ عَنِ الإسلام، وَانْشَغَلُوا بِالتَّوَافِهِ والآثام: فَقَدْ أَضَاعُوا هَوِيَّتَهُم، وصَارُوا في أَذْيَالِ الأُمَمِ! وسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِم ذُلَّاً لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى يَرْجِعُوا إِلى دِيْنِهِمْ. قَالَ عُمَرُ : (إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ، فَأَعَزَّنَا اللهُ بِالْإِسْلَامِ، فَمَهْمَا نَطْلُبُ الْعِزَّةَ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللهُ بِهِ: أَذَلَّنَا الله!). ولَمَّا فُتِحَتْ قُبْرُصُ، جَلَسَ أَبَو الدَّرْدَاءِ  يَبْكِي، فَقُيل: (يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، مَا يُبْكِيكَ فِي يَوْمٍ أَعَزَّ اللهُ فِيهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ؟!) فقال: (مَا أَهْوَنَ الْخَلْقِ عَلَى اللهِ، إِذَا هُمْ تَرَكُوا أَمْرَهُ، بَيْنَما هِيَ أُمَّةٌ قَاهِرَةٌ ظَاهِرَةٌ، تَرَكُوا أَمْرَ اللهِ؛ فَصَارُوا إِلَى مَا تَرَى). ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾. أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا، وأسْتَغْفِرُ اللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوْهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم * * * * الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمْدُ للهِ على إِحْسَانِه، والشُّكْرُ لَهُ على تَوْفِيْقِهِ وامْتِنَانِه، وأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا الله، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُوْلُه. أَمَّا بَعْدُ: فاتقوا اللهَ وانْصُروهُ يَنْصُرْكُم، ولا تَتَخَلَّوا عن طاعتِه فيَتَخَلَّى عنكم ﴿فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما ربك بظلام للعبيد﴾. وإنَّ أقربَ طريقٍ إلى النصر: هو تحقيقُ التوحيدِ والتقوى، والتمسُّكُ بالعروةِ الوثقى، وفعلُ الطاعات والواجبات، والتوبةُ من المعاصي والمنكرات؛ قال : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ* الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وَلِله عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾. * * * * * * * ثم اعْلَمُوا أنَّ اللهَ أَمَرَكُم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّه، فقال في مُحْكَمِ التنزيل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا﴾.

التنافس في المقاعد

5 جمادى الأولى 1448 هـ

🔊 صوت
📖 كتابة

الخُطْبَةُ الأُولَى

الْحَمْدُ للهِ ذِي الْمَنِّ وَالْعَطَاءِ، وَالْعِزِّ وَالْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ. أَحْمَدُهُ تَعَالَى حمدًا طيبًا مباركًا فيه، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَفْضَلُ الرُّسُلِ وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. عبادَ الله: إن مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ عَلَى العَبْدِ أَنْ يُبَصِّرَهُ بِحَقَائِقِ الأَشْيَاءِ؛ فَلَا تَغُرُّهُ الأَسْمَاءُ، وَلَا تَخْدَعُهُ المَظَاهِرُ، وَلَا يَقِيسُ الفَوْزَ وَالخَسَارَةَ بِمَوَازِينِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى الحَيَاةِ، وَيَقِيسُ فَوْزَهَا وَخَسَارَتَهَا، بِمِيزَانِ الوَحْيِ. فحَيَاتُنَا هٰذِهِ مُنَافَسَةٌ طَوِيلَةٌ عَلَى المَقَاعِدِ! فَمُنْذُ أَنْ يَفْتَحَ الإِنْسَانُ عَيْنَيْهِ عَلَى الدُّنْيَا، وَهُوَ يَنْتَقِلُ مِنْ مَقْعَدٍ إِلَى مَقْعَدٍ، وَيُنَافِسُ عَلَى مَقَاعِدِهَا: مَقْعَدٌ فِي مَدْرَسَةٍ، ثُمَّ مَقْعَدٌ فِي جَامِعَةٍ، ثُمَّ وَظِيفَةٌ يَتَنَافَسُ عَلَيْهَا المُتَنَافِسُونَ، ثُمَّ تَرْقِيَةٌ يَنْتَظِرُهَا المُوَظَّفُ، وَمَنْصِبٌ يَطْمَحُ إِلَيْهِ الطَّامِحُ، وَمَكَانَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ يَبْتَغِيهَا، وَمَقْعَدٌ فِي مَجْلِسٍ؛ بَلْ رُبَّمَا تَنَافَسَ النَّاسُ حَتَّى عَلَى مَقَاعِدِ الطَّائِرَاتِ وَالمَجَالِسِ! وَمِمَّا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ وَالتَّذْكِيرُ بِهِ: أَلَّا نَسْتَنْفِدَ أَعْمَارَنَا فِي المُنَافَسَةِ عَلَى مَقَاعِدَ سَنَقُومُ عَنْهَا، وَنَغْفُلَ عَنْ مَقْعَدٍ وَاحِدٍ، إِنْ فَازَ بِهِ العَبْدُ فَمَا ضَرَّهُ مَا فَاتَهُ مِنَ المَقَاعِدِ! إِنَّهُ المَقْعَدُ الَّذِي قَالَ اللهُ فِيهِ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ۝ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾. مَقْعَدُ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ! يَا لَهَا مِنْ غَايَةٍ! وَيَا لَهُ مِنْ مَقْعَدٍ! وَيَا لَهَا مِنْ خَسَارَةٍ أَلَّا يَكُونَ لِلْمَرْءِ نَصِيبٌ فِي ذٰلِكَ المَقْعَدِ، وَلَوْ رَبِحَ مَقَاعِدَ الدُّنْيَا كُلَّهَا! أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: لَقَدْ كَانَ مِنْ دُعَاءِ نَبِيِّكُمْ ﷺ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا». فَاحْذَرْ -أَخِي المُبَارَكَ- أَنْ تَسْتَوْلِيَ الدُّنْيَا عَلَى قَلْبِكَ، فَتُصْبِحَ أَكْبَرَ هَمِّكَ، وَمُنْتَهَى أَمَلِكَ، وَغَايَةَ سَعْيِكَ، وَتُنْسِيَكَ وِجْهَتَكَ الحَقِيقِيَّةَ، وَدَارَكَ الدَّائِمَةَ الأَبَدِيَّةَ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وَحِينَ تَنْكَشِفُ الحَقَائِقُ، وَيَرَى الإِنْسَانُ الآخِرَةَ رَأْيَ العَيْنِ، يَعْلَمُ أَنَّ تِلْكَ هِيَ الحَيَاةُ الَّتِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَعِيشَ لَهَا، وَأَنَّ مَا قَبْلَهَا لَمْ يَكُنْ إِلَّا ظِلًّا عَابِرًا، وَمَتَاعًا زَائِلًا. هُنَالِكَ يَقُولُ، وَقَدْ ذَهَبَ زَمَنُ العَمَلِ: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. نعم، فَالحَيَاةُ الحَقَّةُ هِيَ حَيَاةُ الآخِرَةِ، أَمَّا هٰذِهِ فَمَهْمَا طَالَتْ فَقَصِيرَةٌ، وَمَهْمَا زُيِّنَتْ فَزَائِلَةٌ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾. تَأَمَّلُوا: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾. فَالآخِرَةُ لَا تُنَالُ بِالأَمَانِيِّ، وَالجَنَّةُ تَحْتَاجُ إِلَى سَعْيٍ، وَمُجَاهَدَةٍ، وَمُنَافَسَةٍ. وَلِهٰذَا قَالَ اللهُ: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾. وَقَالَ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾. وَقَالَ فِي نَعِيمِ الأَبْرَارِ: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. سَابِقُوا، وَسَارِعُوا، وَتَنَافَسُوا! هٰذِهِ لُغَةُ القُرْآنِ حِينَ يَكُونُ الحَدِيثُ عَنِ الآخِرَةِ. أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: فَأَيْنَ مُنَافَسَتُنَا نَحْنُ عَلَى دَرَجَاتِ الآخِرَةِ؟ نَرَى الرَّجُلَ يَبْذُلُ السَّنَوَاتِ لِشَهَادَةٍ، وَيُوَاصِلُ اللَّيْلَ بِالنَّهَارِ لِوَظِيفَةٍ، وَيَصْبِرُ عَلَى الغُرْبَةِ لِجَمْعِ المَالِ، وَيُخَطِّطُ طَوِيلًا لِتَرْقِيَةٍ، أَوْ تِجَارَةٍ، أَوْ بَيْتٍ؛ وَكُلُّ ذٰلِكَ مُبَاحٌ، بل قد يُؤْجَرُ عليه إذا أحسَنَ النية. وَلَكِنْ: كَمْ بَذَلْنَا لِلْمَقْعَدِ البَاقِي؟ كَمْ بَذَلْنَا لِلْفِرْدَوْسِ الأَعْلَى مِنَ الجَنَّةِ؟ كَمْ صَبَرْنَا مِنْ أَجْلِ هٰذِهِ الغَايَةِ عَنِ المَعَاصِي وَالشَّهَوَاتِ وَالمُنْكَرَاتِ، وَعَنْ كُلِّ مَا لَا يُرْضِي اللهَ؟ كَمْ جَاهَدْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ وَالقُرُبَاتِ الَّتِي تُقَرِّبُنَا إِلَى اللهِ، وَسَابَقْنَا فِيهَا؟ كَمْ صَبَرْنَا عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ، وَتِلَاوَةِ القُرْآنِ، وَصِيَامِ النَّهَارِ؛ مِنْ أَجْلِ هٰذَا الهَدَفِ العَظِيمِ؟ إِنَّهُ -وَرَبِّي- هَدَفٌ عَظِيمٌ يَسْتَحِقُّ أَنْ تُصْرَفَ فِيهِ الأَعْمَارُ. وَمِمَّا يُعِينُكَ عَلَى العَمَلِ لِلْآخِرَةِ أَنْ تُوقِنَ أَنَّ كُلَّ مَقَاعِدِ الدُّنْيَا مُؤَقَّتَةٌ. فَالمُوَظَّفُ سَيَتْرُكُ كُرْسِيَّهُ، وَالمُدِيرُ سَيَأْتِي بَعْدَهُ مُدِيرٌ، وَالتَّاجِرُ سَيَتْرُكُ مَتْجَرَهُ، وَصَاحِبُ البَيْتِ سَيَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ، وَصَاحِبُ المَجْلِسِ سَيُغَادِرُ مَجْلِسَهُ، وَالمَلِكُ سَيَتْرُكُ مُلْكَهُ. و﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا! مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا». هٰذِهِ هِيَ الدُّنْيَا: ظِلُّ شَجَرَةٍ! وَمِنَ الغَفْلَةِ أَنْ نُنْفِقَ العُمْرَ كُلَّهُ فِي تَحْسِينِ مَوْضِعِ جُلُوسِنَا تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَنَنْسَى أَنَّنَا بَعْدَ قَلِيلٍ سَنَقُومُ وَنَرْحَلُ! فَيَا مَنْ أَحْزَنَهُ أَنْ سَبَقَهُ غَيْرُهُ فِي مَالٍ، أَوْ مَنْزِلٍ، أَوْ مَنْصِبٍ: لَا تَجْعَلْ هٰذَا مِيزَانَ الفَوْزِ وَالخَسَارَةِ. فَلَيْسَتِ المُصِيبَةُ أَنْ يَفُوتَكَ مَقْعَدٌ فِي الدُّنْيَا؛ إِنَّمَا المُصِيبَةُ أَنْ يَفُوتَكَ مَقْعَدُكَ فِي الجَنَّةِ. وَلَيْسَتِ الخَسَارَةُ أَنْ يَسْبِقَكَ إِنْسَانٌ فِي دُنْيَاهُ؛ وَإِنَّمَا الخَسَارَةُ الحَقِيقِيَّةُ هِيَ الَّتِي قَالَ اللهُ عَنْهَا: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. فَإِنْ فَاتَتْكَ مَقَاعِدُ الدُّنْيَا، فَلَا يَفُتْكَ ذٰلِكَ المَقْعَدُ: مَقْعَدُ الصِّدْقِ عِنْدَ المَلِيكِ المُقْتَدِرِ. بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.   الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِذَا كَانَ ذٰلِكَ المَقْعَدُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ المُنَافَسَةَ، فتعالَوا ننظرُ في دارِ ذلك المَقْعَدِ، إلى الجَنَّةِ الَّتِي نَدْعُوكُمْ إِلَى بَذْلِ الأَعْمَارِ مِنْ أَجْلِهَا؟ ألا يَكْفِي فِي وَصْفِهَا؛ قَوْلُ خَالِقِهَا: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ». فَكُلُّ جَمَالٍ رَأَتْهُ عَيْنُكَ، وَكُلُّ نَعِيمٍ سَمِعَتْ بِهِ أُذُنُكَ، وَكُلُّ مَا اسْتَطَاعَ خَيَالُكَ أَنْ يَتَصَوَّرَهُ؛ فَالجَنَّةُ فَوْقَ ذٰلِكَ كُلِّهِ، وَفِيهَا مَا لَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ أَصْلًا! قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وَفِيهَا شَجَرَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَ عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا». وَفِيهَا:﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾. وَفِيهَا الفَاكِهَةُ التي قَالَ اللهُ عَنْها:﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ۝ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾. وَمِنْ عَظِيمِ نَعِيمِهَا أَنَّهَا دَارٌ لَا أَلَمَ فِيهَا، وَلَا حُزْنَ، وَلَا مَرَضَ، وَلَا مَوْتَ. قَالَ ﷺ: « يناد مناد إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا». وَقَالَ اللهُ عَنْ أَهْلِهَا: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. ذَهَبَ الحَزَنُ كُلُّهُ! لَا مَرَضَ، وَلَا فِرَاقَ، وَلَا مَوْتَ، وَلَا خَوْفَ مِنَ المُسْتَقْبَلِ، وَلَا قَلْبًا مَكْسُورًا، وَلَا نِعْمَةً يَخْشَى صَاحِبُهَا زَوَالَهَا:﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾. وَأَعْظَمُ نَعِيمِ أَهْلِ الجَنَّةِ، الَّذِي يَتَضَاءَلُ عِنْدَهُ كُلُّ نَعِيمٍ: رِضْوَانُ اللهِ، وَالنَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ الكَرِيمِ. قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾. فَإِنْ سَأَلْتَ -أَيُّهَا المُشْتَاقُ- عَنْ يَوْمِ المَزِيدِ، فَدُونَكَ خَبَرَهُ: يُنَادِي المُنَادِي أَهْلَ الجَنَّةِ أَنَّ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَهُمُوهُ، فَيَقُولُونَ: أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، وَيُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا، وَيُدْخِلْنَا الجَنَّةَ، وَيُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ ثُمَّ يَتَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ سُبْحَانَهُ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الكَرِيمِ. وَهِيَ الزِّيَادَةُ الَّتِي قَالَ اللهُ فِيهَا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. فَيَا عَبْدَ اللهِ: إِذَا رَأَيْتَ النَّاسَ يَتَنَافَسُونَ عَلَى مَقَاعِدِ الدُّنْيَا، فَدَعْ لَهُمْ مَا يَفْنَى، وَنَافِسْهُمْ فِيمَا يَبْقَى. وَإِذَا سَبَقُوكَ فِي مَالٍ، أَوْ مَنْزِلٍ، أَوْ مَنْصِبٍ، فَإِيَّاكَ أَنْ يَسْبِقُوكَ إِلَى اللهِ! وَتَأَمَّلْ قَوْلَ رَبِّكَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾. وَقَوْلَهُ: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى، وَاجْمَعْنَا وَوَالِدِينَا وَأَزْوَاجَنَا وَذُرِّيَّاتِنَا وَمَنْ نُحِبُّ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ. ثم صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِذٰلِكَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.