الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد :
فهذا فصل من فصول عدة من كتاب كشف غياهب الظلام للشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله يرد فيه على أحمد باشا العظمي ، وهو عندي مخطوط ، فقمت بحمد الله بإعادت كتابته وقراءته على الشيخ بدر بن علي العتيبي سلمه الله ، وأسأل الله أن يتمم طبعه ونشره ، فأحببت أن أضع بين يديكم هذا الفصل لعل الله أن ينفع به الجميع ، قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله في كتابه " كشف غياهب الظلام " :
فصل
: وأما ما ذكره عن إبراهيم خليل الرحمن أنه تمسك بعلم النجوم حين قال : ) إني سقيم ( فمن الكذب والافتراء على خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم فإنه ليس في الآية أكثر من أنه نظر نظرة في النجوم ثم قال لهم ) إني سقيم ( فمن ظن من هذا أن علم أحكام النجوم من علم الأنبياء وأنهم كانوا يراعونه ويعانونه فقد كذب على الأنبياء ونسبهم إلى ما لا يليق وهو من جنس من نسبهم إلى الكهانة والسحر وزعم أن تلقيهم الغيب من جنس تلقي غيرهم وإن كانوا فوقهم في ذلك لكمال نفوسهم وقوة استعدادها وقبولها لغيض العلويات عليها وهؤلاء لم يعرفوا الأنبياء ولا آمنوا بهم وإنما هم عندهم بمنزلة أصحاب الرياضات الذين خصوا بقوة الإدراك وزكاة النفوس وزكاة الأخلاق ونصبوا أنفسهم لإصلاح الناس وضبط أمورهم ولا ريب أن هؤلاء أبعد الخلق عن الأنبياء وأتباعهم ومعرفتهم ومعرفة مرسلهم وما أرسلهم به ، هؤلاء في شأن والرسل في شأن آخر بل هم ضدهم في علومهم وأعمالهم وهديهم وإرادتهم وطرائقهم ومعادهم وفي شأنهم كله ولهذا تجد أتباع هؤلاء ضد أتباع الرسل في العلوم والأعمال والهدى والإرادات ومتى بعث الله رسولا يعاني التنجيم والنيرجات والطلسمات والأوفاق والتداخين والبخورات ومعرفة القرانات والحكم على الكواكب بالسعود والنحوس والحرارة والبرودة والذكورة والأنوثة وهل هذه إلا صنائع المشركين وعلومهم وهل بعثت الرسل إلا بالإنكار على هؤلاء ومحقهم ومحق علومهم وأعمالهم من الأرض وهل للرسل أعداء بالذات إلا هؤلاء ومن سلك سبيلهم وهذا معلوم بالاضطرار لكل من آمن بالرسل صلوات الله وسلامه عليهم وصدقهم فيما جاءوا به وعرف مسمى رسول الله وعرف مرسله وهل كان لإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام عدو مثل هؤلاء المنجمين الصابئين وحران كانت دار مملكتهم والخليل أعدى عدو لهم وهم المشركون حقا والأصنام التي كانوا يعبدونها كانت صور وتماثيل للكواكب وكانوا يتخذون لها هياكل وهي بيوت العبادات لكل كوكب منها هيكل فيه أصنام تناسبه فكانت عبادتهم للأصنام وتعظيمهم لها تعظيما منهم للكواكب التي وضعوا الأصنام عليها وعبادة لها وهذا أقوى السببين في الشرك الواقع في العالم وهو الشرك بالنجوم وتعظيمها واعتقاد أنها أحياء ناطقة ولها روحانيات تتنزل على عابديها ومخاطبيها فصوروا لها الصور الأرضية ثم جعلوا عبادتها وتعظيمها ذريعة إلى عبادة تلك الكواكب واستنزال روحانياتها وكانت الشياطين تتنزل عليهم وتخاطبهم وتكلمهم وتريهم من العجائب ما يدعوهم إلى بذل نفوسهم وأولادهم وأموالهم لتلك الأصنام والتقرب إليها وكان مبدأ هذا الشرك تعظيم الكواكب وظن السعود والنحوس وحصول الخير والشر في العالم منها وهذا هو شرك خواص المشركين وأرباب النظر منهم وهو شرك قوم إبراهيم عليه الصلاة والسلام والسبب الثاني : عبادة القبور والإشراك بالأموات وهو شرك قوم نوح عليه الصلاة والسلام وهو أول شرك طرق العالم وفتنته أعم وأهل الابتلاء به أكثر وهم جمهور أهل الإشراك وكثيرا ما يجتمع السببان في حق المشرك يكون مقابريا نجوميا قال تعالى عن قوم نوح : ) وَقالوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً( (نوح:23) ، قال البخاري في صحيحه قال ابن عباس كان هؤلاء رجالا صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا على مجالسهم التي كانوا يجلسون عليها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وسلم الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ونهى عن الصلاة إلى القبور وقال : اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) وقال : ( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجدا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ) وأخبر أن هؤلاء شرار الخلق عند الله يوم القيامة وهؤلاء هم أعداء نوح كما أن المشركين بالنجوم هم أعداء إبراهيم فنوح عاداه المشركون بالقبور وإبراهيم عاداه المشركون بالنجوم والطائفتان صوروا الأصنام على صور معبوديهم ثم عبدوها وإنما بعثت الرسل بمحق الشرك من الأرض ومحق أهله وقطع أسبابه وهدم بيوته ومحاربة أهله فكيف يظن بإمام الحنفاء وشيخ الأنبياء وخليل رب الأرض والسماء أنه كان يتعاطى علم النجوم ويأخذ منه أحكام الحوادث سبحانك هذا بهتان عظيم وإنما كانت النظرة التي نظرها في علوم النجوم من معاريض الأفعال كما كان قوله ) فعله كبيرهم هذا ( وقوله ) إني سقيم ( وقوله عن امرأته سارة هذه أختي من معاريض المقال ليتوصل بها إلى غرضه من كسر الأصنام كما توصل بتعريضه بقوله هذه أختي إلى خلاصها من يد الفاجر ولما غَلَظَ فهم هذا عن كثير من الناس وكثفت طباعهم عن إدراكه ظنوا أن نظره إلى النجوم ليستنبط منها علم الأحكام وعلم أن نجمه وطالعه يقضي عليه بالسقم وحاشا لله أن يظن ذلك بخليله صلى الله عليه وسلم أو بأحد من أتباعه وهذا من جنس معاريض يوسف الصديق صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم حين تفتيش أوعية أخيه عن الصاع فإن المفتش بدأ بأوعيتهم مع علمه أنه ليس فيها وأخر وعاء أخيه مع علمه أنه فيها تعريضا بأنه لا يعرف في أي وعاء هي ونفيا للتهمة عنه بأنه لو كان عالما في أي الأوعية هي لبادر إليها ولم يكلف نفسه تعب التفتيش لغيرها فلهذا نظر الخليل صلى الله عليه وسلم في النجوم نظر تورية وتعريضٍ محضٍ ينفي به عنه تهمة قومه ويتوصل به إلى كيد أصنامهم انتهى فهذا ما ذكره شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى في مشابهة زنادقة هذه الأمة لمن قبلها من الأمم من عبادة الأجرام العلوية واعتقاد التأثيرات منها في العوالم السفلية وأما ما ذكره في الزيارة من الاعتقادات التي ضاهوا بها اليهودية والنصرانية فنذكر شيئا يسيرا منه قال ابن القيم رحمه الله تعالى في إغاثة اللهفان :
فمن مفاسد اتخاذها أعيادا الصلاة إليها والطواف بها وتقبيلها واستلامها وتعفير الخدود على تراباتها وعبادة أصحابها والاستغاثة بهم وسؤالهم النصر والرزق والعافية وقضاء الديون وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيدا وقد نزلوا عن الأكوار والدواب إذا رأوها من مكان بعيد فوضعوا لها الجباه وقبلوا الأرض وكشفوا الرؤوس وارتفعت أصواتهم بالضجيج وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على الحجيج فاستغاثوا بمن لا يبدي ولا يعيد ونادوا ولكن من مكان بعيد حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبور ركّعا سجّدا يبتغون فضلا من الميت ورضوانا وقد ملئوا أكفهم خيبة وخسرانا فلغير الله بل للشيطان ما يراق هنالك من العبرات ويرتفع من الأصوات ويطلب من الميت من الحاجات ويسأل من تفريج الكربات وإغناء ذوي الفاقات ومعافات أولي العاهات والبليات ثم أنبثوا بعد ذلك حول القبر طائفين تشبيها له بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركا وهدى للعالمين ثم أخذوا في التقبيل والاستلام أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به وفد البيت الحرام ثم غفر والديه تلك الجباه والخدود الذي يعلم الله أنها لم تغفر كذلك بين يديه في السجود ثم كملوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحلاق واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن إذ لم يكن لهم عند الله خلاق وقربوا لذلك الوثن القرابين وكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير الله رب العالمين فلو رأيتهم ينهئ بعضهم بعضا ويقول أجزل الله لنا ولكم أجرا وافرا وحظا فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجه القبر بحج المتخلف إلى البيت الحرام فيقول لا ولو بحجك كل عام هذا ولم نتجاوز فيما حكيناه عنهم ولا استقصينا جميع بدعتهم وضلالهم إذ هي فوق ما يخطر بالبال أو يدور في الخيال وهذا كان مبدأ عبادة الأصنام في قوم نوح كما تقدم وكل من شم أدنى رائحة من العلم والفقه يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة إلى هذا المحذور وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه وما يؤول إليه وأحكم في نهيه عنه وتوعده عليه وأن الهدى والخير في إتباعه وطاعته والشر والضلال في معصيته ومخالفته ثم ذكر رحمه الله كلاما طويلا .انتهى .
هذا والله تعالى أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
التوقيع
[blink][grade="FF4500 4B0082 0000FF 000000 F4A460"](( عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس ، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول ))[/grade][/blink]