الرومــانــســي

صاحب الامتياز

:: عضو جديد ::
إنضم
20 مارس 2007
المشاركات
116
كنا قد تشاجرنا هذا الصباح ، على أمر سخيف .
أعترف أني كنت البادئ بالاستفزاز .

قلت لها : - لماذا لا أسمع منك كلمة حالمة ، شيئا من تلك الرومانسيات ، التي تملأ حياة بعض الناس ، فتجعلها وردا وقوس قزح ..؟

صوبت نحوي نظرة باهتة ،

ثم قالت بسرعة : - "الشاهي ناقصة حلا" .

قلت ، وقد بدأت وتيرة صوتي تعلو : - "حياتنا كلها ناقصها حلا" .

أخذت ترتب أطباق الطعام أمامي ، دون أن تتكلم ، فبلغ الغيظ مني أقصاه ، فأهويت بقبضة يدى على معصمها ، وأطبقت عليها بشدة وأنا أهزها ،

والكلمات تنطلق كالضجيج من فمي : - لمـاذا لا تسمعيني كلمـة حـب واحدة ، لماذا تقتلين حياتي ومشاعري المتأججة ، بهذا البرود .. ؟ لماذا .. لماذا ..؟

وأنطلقت أعدد عليها ما تحتاجه صحراء قلبي المجدبة . حدثتها عن العطش ، عن الجوع ، عن أحلام قتلها الصقيع ... عن الحب ، يموت ظامئا .. جائعا .. تائها ، لا عينين يأوي إليهما . كانت يدى تطبق على يدها ، ولم أشعر أني قد آذيت معصمها في غمرة إنفعالي ، مما أراه سكونا بلـيدا ، مميتا ، في مشاعرها تجاهي .

لم أدرك ذلك ، إلا حينما رأيت وجهها ينطق بكل معاني الألم ، وهي تقول لي بصوت متهدج : "يدي .. يدي .. أرجوك ، لقد أوجعتني" .

أطلقت يدها ، وسيطر على شعور بالندم ، وأخذت أتأملها ، وهي تغالب الدمع ، وتمسح يدها بيدها الأخرى .

قلت في نفسي : - (كيف يؤذي من يطلب الحب) ؟ كان واضحا أن يدها تؤلمها ، إذ لم تستطع أن تستخدمها في إكمال إفطارها . ولاحظت أيضا ، أنها على وشك أن تبدأ معي معركة ، فقد كانت متوترة ، وملامحها توحي بالرغبة في الرد على إتهاماتي وعدواني . في دخيلة نفسي كنت أريد معركة من هذا النوع ، لأدينها ، ولأؤكد لها ، أنني (أنا) الإنسان المعطاء ، وهي تمثال من الشمع ، بلا مشاعر . سادت لحظة من الصمت ، خشيت خلالها أن تنطفئ جذوة انفعالها ،

فقلت مستفزا :

- يا ضيعة احلامي . أنت تتحسسين يدك ، ومرهم كفيل بأن يحل المشكلة ، أما أنا فكيف أداوي قلبي الذي تيبس من الجفاف ..؟ رمقتني بنظرة عميقة ، لم أعتدها منها ،

ثم قالت ، وقد أختفت كل معالم التوتر من وجهها : - هل تظن أني لو لم أكن أحبك ، سأبقى معك دقيقة واحدة ..؟

نزلت عبارتها كالصخرة على صدري : "إذن هي التي تقرر أن تبقى معي أولا تبقى ، وليس أنا . وبالتالي ، فمفهومها للحب هو الذي يحدد استمرار العلاقة بيننا" .. هكذا خاطبت نفسي . لماذا لا تفهم أنـي أنـا لي رؤيتي الخاصة ، في أن نبقى معا أو لا نبقى ؟ لماذا لا تدرك أني أنا أيضا بحاجة لأن أحبها ، لكي أبقى معها ؟ إذا كانت تحبني وفق تصورها الخاص ، لماذا لا تمنحني الحق في أن أحبها بالشكل الذي أريد كذلك ؟ ألست في النهاية سأحبها هي ، وليـس شخصـا آخـر ..؟

أليس مؤذيا أن تقول لإنسان : ساعدني كي أحبك ، فيكون الجواب : لا عليك أنا أحبك ؟ ها هو يوم جديد ، وجولة من الإحباط جديدة ، وفشل يتراكم . في الظهر ، أثناء رجوعنا إلى البيت من مقر عملها ، حيث تعمل معلمة في مدرسة في حي فقير ، رأيت على جانب الطريق إمراة تمشي ، مسرعة الخطا ، حافية القدمين . كان يوما لاهبا ، أشعر فيه أن السيارة تئز تحتي من شدة الحرارة . كان منظر المرأة ، وهي تسير حافية على القار ، الذي سال بعضه ، وتشقق البعض الآخر ، من هول الحرارة ، التي تصبها الشمس على الأرض ، يثير الألم .

إلتفتت إلى حيث كنت أنظر ، فأبصرت المرأة ، وقالت بأسى : - لحظة .. لحظة قف قليلا . حينما أوقفت السيارة ، فتحت الباب ونزلت باتجاه المرأة . مر بعض الوقت ، وأنا لا أدري لماذا نزلت ، ولا بماذا تتحدث مع المرأة ، وفجأة ، رأيتها تنزع حليها من يديها وتعطيها المرأة ، ثم أتجهت إلى السيارة ، وقالت لي : - معك نقود ؟ - كم تريدين .. قلت لها ؟ - الذي معك .. أجابت .

أخرجت من محفظتي الف وسبعمائه ريال ، هي كل ما معي ، وناولتها إياها ، فاتجهت إلى المرأة ووضعتها في يدها ، وتبادلتا بضع كلمات ، لم أسمعها ، وعادت إلى السيارة .

قبل أن تركب ، استدارت فجأة نحو المرأة ، وقالت : - خاله .. حين ألتفتت المرأة ، خلعت حذاءها ورمته تجاهها . لم يصرفها عن النظر إلى يدي المرأة البائسة ، اللتين رفعتهما إلى السماء ، بعدما وضعـت الحذاء في قدميها ، اللتين أكلهما القار الحار ، إلا لهيب الرمضاء الذي أحرق قدميها ، وجعلها تتقافز ، كحمامة حطت على صفيح ساخن . ركبت ، وخيم الصمت بيننا . هي ، أظن أنه قد ألجمها الموقف ، وصدمة التأثر ، لتعاسة هذه المرأة البائسة .

أما أنا فقد خجلت من نفسي : "أهذا الكيان الشامخ بلا مشاعر ؟ كم كنت ساذجا ، حينما كنت أغمس يدي في هذا المحيط ، ثم أعيدها متأففا انه بلا محار ... وبلا لؤلو" . حينما وصلنا إلى البيت ، أستأذنتها لحظة بعدم النزول ، ودخلت البيت وأحضرت لها حذاء ، ولم أتكلم ، ولم نحتج إلى الكلام مرة أخرى .




المبدع الدكتور : محمد الحضيف





ودمتم لي بود
 

خالد الياسي

:: عضو جديد ::
إنضم
31 يوليو 2007
المشاركات
7,550
شكرا لك اخي صاحب الامتياز

على هذه القصه الرائعه

قرئتها بصمت وكنت اتمنى الا تنتهي

شكرا مرة اخرى
 

صاحب الامتياز

:: عضو جديد ::
إنضم
20 مارس 2007
المشاركات
116
الأخ خالد الياسي اشكرك على مرورك الذي شرفني ، وسعيد ان الاقصوصة نالت على استحسانكم .








ودمتم لي بود
 

عذوب القصيده

:: عضو جديد ::
إنضم
29 أكتوبر 2007
المشاركات
543
وارخى هدب الوجدان رموش المشاعر


اقصوصه مذهله في حقيقتها،،،،،،،،رغم نقاط الضعف


ولكنها ابت إلا ان تتشكل كلمات


رومانسي ،،،،تستحق الإشاده







دمت بـــــــود
 
التعديل الأخير:

هشام الهذلي

:: عضو جديد ::
إنضم
4 يناير 2007
المشاركات
4,180
الأستاذ / صاحب الامتياز

يبدو لي أنك من المعجبين بأسلوب/ محمد الحضيف .

نص جميل للأمانة
وأسلوب راقي في الكتابة
الحقيقة لست ناقد أدبي بالفعل ولكن تؤثر بي الجمال

شكراً للنقل


وجميل أن تكون أول المشاركين في القسم الجديد
 

عز الرفيق

ثلاث أشياء تزعجني
إنضم
19 أبريل 2007
المشاركات
5,023
الرومانسي


و تسجيل

السبق لصاحب الإمتياز

كأول مشارك بعد

تدشين القسم الجديد

( ( مجلس القصص الأدبية ))

إختيار موفق أخي صاحب الإمتياز

بارك الله فيك


ننتظر السبق لمن سيبدع بقلمه هو

أول قصة أدبية في مجالس هذيل
 
التعديل الأخير:

هامة العرب

:: عضو جديد ::
إنضم
11 فبراير 2008
المشاركات
1,510
الله من جد قصة روعه وفي غاية الجمال لما فيها من معنى
يسلموووو صاحب لامتياز على الاقصوصه صراحة كنت اقرائها واتامل في كلماتها
تقبل مروري وتحياتي
 

بنت مكه

:: عضو جديد ::
إنضم
31 يناير 2008
المشاركات
3,886
ياااااااه قصه اعجز عن التعبير عن جماال معانيها

اخوي ....صاحب الامتياز ......حقاا تميزت نقل رااائع

الله يرعاااك
 

صاحب الامتياز

:: عضو جديد ::
إنضم
20 مارس 2007
المشاركات
116
الاخت جوهرة هذيل اشكرك على المرور ، والضعف يعتري كل عمل بشري خصوصا مابني منه على الكتابة والاسلوب ، ولكن بالنسبة لي اعتبر الحضيف صاحب اسلوب خاص به يكفيه عندي سمو الفكرة وهم الكتابة .






ودمتم لي بود
 

صاحب الامتياز

:: عضو جديد ::
إنضم
20 مارس 2007
المشاركات
116
الاخ الغالي : هشام الهذلي تحية طيبة وبعد :

اولا: كنت ومازلت اشعر بالزهو والسعادة كلما رأيت تعليق لك على احد الموضوعات خصوصا إذا كان ذلك خاص بي .

ثانيا : كنت ومازالت ذلك المتذوق اللماح ، وبالفعل اصبت كبد الحقيقة انا من كبار المعجبين والمتابعين للمبدع الحضيف ، والذي يمتاز في نظري بأنه يعزف على اوتار جراح مجتمعه بعيدا عن التشدق باخلاقيات المجتمع الافلاطوني ، وبعيدا عن المبالغة في تصوير المجتمع الانحلالي الوجودي ، والتي للاسف لم يسلم منها الروائين السعوديين فإن سلموا من الاولى وقعوا في الثانية ، والحضيف بحسب استقرائي لسردياته - وإن كان استقراء ناقص - يشخص المجتمع الشعودي خصوصا بمبضع جراح محترف ، وروايته ( موضي حلم يموت تحت الاقدام ) خير شاهد على ما اقول ، كما انه يتسم بالاسلوب الراقي في الطرح ، وحسن اختيار الكلمة ، ورقي الفكرة ، مما يضعه في نظري في المصاف الاولى للروائين المبدعين .






دمتم لي بود
 
التعديل الأخير:

صاحب الامتياز

:: عضو جديد ::
إنضم
20 مارس 2007
المشاركات
116
الأخوة : جني هذيل ، هامة العرب ، بنت مكة اشركم على المرور والاطراء ، ومن دواعي سروري اعجابكم بهذه المشاركة المتواضعة .






ودمتم لي بود
 

صاحب الامتياز

:: عضو جديد ::
إنضم
20 مارس 2007
المشاركات
116
الاخ الغالي : عز الرفيق تحية طيبة وبعد :

اولا : اسعدني تواجد ربان مجالسنا الادبية على متصفحي ، والذي يعني لي الكثير في نظري .

ثانيا : من دواعي سروري وغبطتي ان اكون اول المشاركين في هذا القسم الرائع ، والذي كنت اتمناه منذ التحاقي بمجالس هذيل ، ولايفوتني هنا ان اشكر صاحب الفكرة والقائمين عليها .

ثالثا : اكرر دعوة اخي عز الرفيق للمبدعين وأقلامهم ، وما أكثرهم في هذا المنتدى الراقي ، وإن كنت اعتقد ان السباق بدأ منذ افتتاح هذا القسم على إضفاء لمسات المبدعين الخاصة بهم على هذا القسم الوليد .






ودمتم لي بود
 

عبآدي الهذلي

.. بن ســـآلم ..
إنضم
31 أكتوبر 2007
المشاركات
5,188
يعطيك العافيه يا صاحب الامتياز

اقصوصه جميله ولها معاني ومغازي اجمل

تقبل مروري

ومشكووور على الطرح
 
عودة
أعلى