التشاؤم في شعر ابن الرومي

الثعلب

:: عضو جديد ::
إنضم
23 يناير 2008
المشاركات
978
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

التشاؤم في شعر ابن الرومي


من يتنقل بين أبيات ابن الرومي في ديوانه؛ يشتم رائحة التشاؤم القوية، المنبثقة من بين ثنايا قصائده، تلك النبرة التي تنتزع الدموع من عيني قارئها، وتشيع الحزن بلا تصنع.
امتاز هذا الإنسان المسحوق بهذه الخاصية، وهزمه، بل و خلّد ذكره حظه النحس ونفوره من البشاعة، فاختلف عن زملائه الشعراء على مر الدهور بالسخرية (العلقم) الشامتة، والناقدة لكل ما في الوجود..
وقد اختلف تشاؤم هذا الشاعر المغبون، وتنوع في أشكال مختلفة، بداية بأشخاص معينين من هيئاتهم، مروراً بأسماء، وصفات محددة ومخصصة، وانتهاء بالتشاؤم من الدنيا بأسرها.
من أوائل ذلك، أنه ما كان يرى جاره الأحدب_ المقابل له من ثقب باب داره، إلا ويعود أدراجه، مغلقاً الأبواب على أهله مقيماً في بيته، وقد ذكره في بيتين:
قَصُرَتْ أَخَادِعُهُ(1) وغارِ قِذالُه(2) فَكأنه مُتَربِّصٌ أن يُصفَعا
وكأنـما صُفِعت قَفـاه مَرّةً وأحسّ ثانية لها فتَجمّعا
فهاهو عندما يصفه يوضح سبب تشاؤمه؛ ليسمه بوصف دقيق جمع بين الصور الحسية والنفسية، التي يشعر بها القارئ عند تذوقه إياها.
أيضا كان شاعرنا يتشاءم بكاتب يُدعى (ابن طالب)، إذ يقول فيه:
أزيرق شؤوم أحمر قاشر(3) لأصحابه نحس على القوم ثاقب
وهل أشبه المريخ إلا وفعله لفعل نذير السوء شبـه مقارب
فهو يراه وجهَ شؤم، أحمر الوجه دالاً على الشر والسوء، ولم يشبهه بالمريخ إلا بجامع أنه نجم جعله التنجيم والخرافات نذير حروب وفتن.

ومن الملحوظ _أيضاً_ تشاؤمه، ونفوره من ألفاظ لعبت اللغة فيها دوراً بالتصحيف، والقلب، والاشتقاق؛ لتحوي معاني سيئة: فاسم (عمرو) يحوله إلى (عير)، ثم
يخاطبه:
يا عَمْرو لو قُلبتْ ميمٌ مُسْكَنَة ياءٌ مُحرَّكةٌ لم تُخْطِئُ الفَقرَ
فهو بطبيعته المتشائمة يحور الاسم حاطاً منه، ومن شأن صاحبه إيغالاً في السوداوية.
أيضاً من بعض ما بدّل في معناه (الخان) وهو العمارة أو البيت الذي يقصده عابري السبيل- فيتذكر الخيانة حسب قوله :
فكم كان سفر خان فانفضّ قومهم ما انفض صقر الدجن فوق الأرانب

وعندما نزداد عمقاً في بحار شعره، نجد النبرة الصارخة في رؤيته للدنيا المغلقة في وجهه، والجميع ينهض عداه _كما يعتقد_:
مالي أسل من القراب وأغمد لم لا أجرد والسـيوف تجرد
لم لا أجرب في الضرائب مرة يا للرجـال وإنني لـمهند
ويقول:
لم أكن دون مالكي هذه الأمـ ـلاك لو أنصف الزمان المحابي
يستغرب حظه السيئ، فالكل يرتقي ويصعد المناصب بينما هو جالس لا يحرك ساكناً، وعندها يستهجن استغراب الناس من تطيره ووسوسته، وتلك النغمة المشئومة في شعره:
إن أوسوس فحقيق يسعد المرء وينحس
فهاهو حظه المنحوس يتبعه أينما سار، وهذه نظرته للحظوظ:
رأيت الذي يسعى ليدرك حظه كسارٍ بليلٍ كي يسايِر كوكبا
يسير فلا يسـطيع ذاك بسيره وكيف وأنّى رام شأواً(4) مغرِّبا
وكأنه يريد أن يعلم الجميع بأن ملاحقة الحظوظ تعدّ من أصعب الأمور وأشقاها،
فيرى أن سوء حظه ملاحقاً له حتى في أحلامه :
ولقد مُنعت من المرافق كلها حتى مُنعت مرافق الأحلام
من ذاك أني ما أراني طامـعا في النوم أو متعرضا لطعام
إلا رأيت من الشقـاء كأنني أُثنى وأُكبح دونه بلـجام
إذن.. يعتقد أن حظه سيئ في جميع أحواله، يقظته ومنامه، حتى دعاه ذلك إلى النقمة على المترفين، وعلى الحياة بشكل عام؛ فالغنى، والثراء يراه ويلتفت عنه متجاهلا إياه إلى آخرين:
أيلتمس الناسُ الغنى فيصيبهم وألتمس القوت الطفيف فيلتوي
وبذلك فحزنه ولوعته ليست ككل الناس؛ وغالبا ما يرد ذلك في مراثيه التي تقطر حزنا مثيرا لشجن أقسى القلوب:
وتسليني الأيام لا أن لوعتي لا حزني كالشيء ينسى فيعزب(5)
ولكن كفاني مسليا ومغربا بأن المـدى بيني وبيـنك يقـرب
وهاهو في موضع آخر يذم الدنيا ومصائبها التي أشابته قبل أوان المشيب؛ فيتمنى الموت، وأن العزاء لا فائدة فيه أبدا، ومن مات فهو خير له من الحياة:
لا يبعـد الله أسلافا لنا سبـقوا ولو بـقوا للقوا مالا يحـبونا
كيف العزاء وما في العيش مغتبط ولا اغـتباط لأقوام يموتـونا
متى نعش فبلى الأحيـاء يدركنا وإن نمت فبلى الأموات يقفونا


وأخيرا.. وبعد هذه الأوهام التي سيطرت على تفكير ابن الرومي، بلغ به الحال أن يعتقد أن ثمة روح شريرة تسكنه وتلاحقه أينما سار، وهي التي تصد عنه الناس؛ وتجعل النحس رفيقا ملازما له، حتى خاطبه قائلاً:
بل تعاميت غير أعمى عن الحق نهارا في ضـحوة غـراء
ظالما لي مع الزمان الذي ابتـزّ حقوق الكرام الـلؤمـاء



وبعد هذا الحزن، والإحساس بالشؤم مدى الحياة لنتوقف متسائلين: ما لذي جعل شاعرا عملاقا يعيش هذه الأوهام، وينطوي على نفسه، مغرداً بصوته الثقيل من وطأة الهموم، والشكوى؟!
أعتقد وبعد القراءة، والبحث في سيرة ابن الرومي أن أسباب تشاؤمه، وتطيره كما تحلو التسمية عند البعض_ تتلخص في نقاط:


1. انتشار التنجيم، وعلوم الفلك في العصر العباسي.
2. الشعور بالدونية، والنقص، والعجز عن إثبات الذات.
3. العيوب الشخصية، والأمراض التي ألمّت به، من قصر قامة، وصلع بعد شيب مبكر في أيام الشباب، وضعف بصر وسمع، وتقوس في الظهر.
4. توالي المصائب عليه، بداية بوفاة أبيه، فولادته التي كانت متعسِّرة، بعدها وفاة أمه، يتلوها أخيه، فزوجته، فأولاده!
5. فقدانه ماله، وما ورثه من أبيه ظلماً وغصباً؛ مما أصابه بنوع من الإحباط، والإحساس بالظلم، والقهر.
6. يرى بعض الباحثين أن للوراثة المزدوجة دوراً في هذه الشخصية الغريبة؛ فالتجاذب بين نفسية والده، ومزاجه اليوناني الواقعي الدنيوي، مع نفسية و مزاج أمه الفارسي الروحاني الجمالي، إضافة إلى التوسط مابين هاتين الثقافتين بعدما اعتنق الدين الإسلامي؛ جعل منه إنسانا متذبذبا، ذو طبع ومزاج غريب غير متكافئ.


[line]

الحواشي:
(1) مفردها: أخدع،شعبة من الوريد في العنق.
(2) القذال:جماع مؤخر الرأس.
(3) المشئوم.
(4) هدفاً.
(5) فيغيب.
 

حامد السالمي

أبو خالد
إنضم
4 ديسمبر 2007
المشاركات
18,815
أشكر الأخ الثعلب على هذا المبحث الهام،


وقد كانت الظروف القاسية التي مرت بالشاعر،


سبباً رئيساً في تلك النظرة السوداوية،


التي ربما شطت كثيراً عن ما ينبغي على المؤمن تمثله.
 

الفند الضبيبي

:: عضو جديد ::
إنضم
19 مارس 2008
المشاركات
2,463
لله درك يالثعلب
اجاده في السرد واستيفاء البحث من عاداتك وها انت اجدت في ذلك

ومما لاشك فيه ان الشاعر قد اثر عليه محيطه وظروفه التي مرت عليه مما اظهر تلك الصوره السوداويه التي نقلت عنه وخلدت ذكراه
 

الثعلب

:: عضو جديد ::
إنضم
23 يناير 2008
المشاركات
978
أساتذتي الكرام

كم يسعدني ويشرفني مروركم الكريم


احترامي وتقديري
 

أمير بكلمتي

:: عضو جديد ::
إنضم
5 يناير 2006
المشاركات
4,244
رائع دائماً أنت رائع أيها المثقف الثعلب

ولعلي أعود من جديد لأنثر على صفحاتك ورود مناقشتي على تشاؤم ابن الرومي في شعره

أبعد الله عنّا التشاؤم وقرّب منّا التفاؤل
 

الثعلب

:: عضو جديد ::
إنضم
23 يناير 2008
المشاركات
978
أيها ( الجنتل )

الرائع مرورك الجميل ياجميل

لك مودتي
 

عادل هذيل

هذلي مٺطور
إنضم
18 يونيو 2008
المشاركات
3,552
بسم الله الرحمن الرحيم
حيّاك الله اًخي ((الثعلب))

حضورك مشرف

دائم العطاءاٍنْ شاء الله

دمت في عزّ وسعد باًذنه سبحانه وتعالى

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 

عماد الهذلي

:: عضو جديد ::
إنضم
8 ديسمبر 2007
المشاركات
8,373
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موضوع جميل اخي الثعلب وبحث متميز احطتنا بنبذة عن علم من أعلام الشعر في العصر العباسي


تحياتي
 

الحجاج بن يوسف

:: عضو جديد ::
إنضم
13 أكتوبر 2007
المشاركات
444
سلمت الأنامل اخي الثعلب والجود من اهله طال عمرك واسأل الله عز وجل ان يجعلها في موازين حسناتك وان لا يحرمنا من جديدك ومفيدك اخي الغالي

لك خالص واجل احترام

اخوك

الحجاج بن يوسف
 

تيك اوف

انت ولا انا
إنضم
26 فبراير 2007
المشاركات
5,099
للامانه اجدت في بحثك الذي قدمته الينا

واشكرك على هذه الفائده الجمه

يعطيك العافيه ايها الثعلب

تقبل مروري
 

ابوفهد الياسي

:: عضو جديد ::
إنضم
17 سبتمبر 2007
المشاركات
8,085
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته

اخي الثعلب (ذخر هذيل كما أحب أطلق عليك دائماً )
مشكور على هذا الطرح الجميل لمعانات الشاعر الرومي
وقد وفقت في بحتك وجمال سردك للمعانه يدل على ذلك
وكلمة الحق تقال حتى لو إختلفنا في وجهة النظر
وكما ذكر الاخوان فالشاعر عاش في زمن جعله يقتبس
هذه االنظره السوداويه حتى في أشعاره 00

تحيه طيبه
وننتظر جديدك
 

عز الرفيق

ثلاث أشياء تزعجني
إنضم
19 أبريل 2007
المشاركات
5,023
أخوي ذخر هــــذيل

كما يراك ابو فهد الياسي

شكرا على ما طرحت من أدب جم

و رؤيا ثاقبه


دائما نتطلع لجديدك
 
عودة
أعلى